المناوي
25
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
متماثلات الأشكال والأنواع ، كالصّنف الإنسانيّ ، ونوع ذوات الأربع ، وذوات الجناح ، وأصناف الجمادات مع الحيوانات ، والنّباتات وما بين النباتات وغيرها ، فالأمثال المتفرّقة بذواتها لا تحتاج إلى نقط ، وما اشترك في النّوع احتاج إلى فصل في الأشخاص بأمر عرضيّ ، ولا يزال صاحب هذا المقام في ذلك التّخطيط الشّريف ، وإيجاد ملك الحروف على أبدع نظام بأبدع رقم في أحسن لوح ، فإذا طال عليه النّظر في جزيئيّات الكون ، والعمر قصير ألقى اللّه في نفسه التّضرّع والابتهال أن ينقله منه . ومنهم : من حفظ عليه طعامه وشرابه ولباسه فلا يصل إلى بدنه من ذلك ما فيه شبهة فضلا عن كونه حراما ، وذلك بعلامة يلقيها اللّه له في نفسه ، أو في ذلك الشّيء الذي قامت به صفة الحرام أو الشّبهة كالحارث المحاسبيّ رضي اللّه عنه كان إذا قدّم إليه طعام فيه شبهة ضرب عليه عرق في إصبعه ، وكانت أمّ أبي يزيد البسطاميّ رضي اللّه عنه وهي حاملة به لا تمتدّ يدها إلى طعام فيه شبهة بل تنقبض ، وكان آخر ينادى : تورّع ، وآخر يأخذه الغثيان والقيء ، وآخر يصير الطّعام قدّامه دما ، وآخر دودا ، وآخر يرى عليه سوادا ، وآخر يراه خنزيرا إلى أمثال ذلك من العلامات . ومنهم : من كان يمسّ الطّعام القليل فيصير كثيرا ، كما حكي عن بعضهم أنّه جاءه إخوانه ، وعنده ما يقوم بواحد فقط ، فكسر رغيفا وغطّاه بمنديل ، فجعلوا يأكلون من تحته ، وكانوا عددا كثيرا حتّى شبعوا جميعا ، وبقي الرّغيف كما كان ، وهذا ميراث نبويّ من فعل المصطفى صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . ومثله ما وقع لأبي عبد اللّه التاوديّ « 2 » أنّه أخذ شقّة من قماش ، ومسكها تحت جنبه ، وأخرج طرفها للخيّاط وقال : خذ ما يكفي هؤلاء الجماعة ، وما زال يفصّل منها ما شاء اللّه حتّى قال الخيّاط : هذه الشقّة ما تتمّ أبدا ، فرماها من تحته وقال : تمّت .
--> ( 1 ) حديث تكثير الطعام في منزل جابر ، وفي منزل أبي طلحة ، ويوم الخندق متفق عليه . ( 2 ) في مواقع النجوم 116 : التاوري .